الرئيسية » محلية » ثروات القطب الشمالي وغرينلاند

ثروات القطب الشمالي وغرينلاند

و.ض.أ / بغداد / فارس آل سلمان

شرع الرئيس ترامب بأستخدم خيارات عسكرية ودبلوماسية حازمة لتنفيذ اجندة الامن القومي الاميركي التي اقرت 2020 لتحقيق أهداف استراتيجية على نطاق واسع، من فنزويلا وصولاً إلى غرينلاند، أن اهداف السياسة الأميركية الحديثة لم تنطلق من فنزويلا فحسب، بل اعتمدت على تقييم شامل لمخاطر الأمن القومي بدءا من نصف الكرة الغربي وصولا إلى القطب الشمالي.
اذ تركز واشنطن يذهب باتجاه السيطرة على موارد الطاقة و طرق المواصلات، و كمرحلة اولى الهيمنة المباشرة على الاطلسي والهاديء و ما بينهما من القطب الشمالي الى القطب الجنوبي اي اميركا الشمالية والجنوبية بالكامل، ثم الانتقال الى الهاء روسيا و الصين بصراعات جانبية تستنزفهما في آسيا واوربا وافريقيا كمرحلة ثانية مع تجنب الصراع المباشر.
وتشكل فنزويلا ومواردها النفطية وغير النفطية حجر الاساس في هذه الخطة الاستراتيجية فضلا عن إدارة مبيعات النفط الفنزويلي لفترة غير محددة، بالإضافة إلى الضغط على كاراكاس لطرد المستشارين الروس والصينيين والإيرانيين بهدف انهاء نفوذ هذه الدول.
تكمن اهمية جزيرة غرينلاند، ليس كموقع جغرافي فقط بل لاحتوائها على 20% من احتياطات المياه العذبة و30% من احتياطات الغاز والمعادن، وللأهمية الإستراتيجية للقطب الشمالي حيث تسيطر روسيا على 6 قواعد عسكرية وتقوم الصين بأبحاث واستخدام الغواصات، ما يعزز الحاجة إلى تعزيز التواجد الأميركي في المنطقة.
تمتلك الولايات المتحدة 3 كاسحات جليد نووية مهيأة للعمل في ظروف جليدية بينما تمتلك روسيا 45 كاسحة جليد منها 12 تعمل بالطاقة النووية وهو ما يبرز أهمية غرينلاند لمواجهة النفوذ الروسي وتأمين مصالح واشنطن في المنطقة القطبية.
أن الولايات المتحدة رغم ديونها البالغة 36 تريليون دولار، ما تزال ملتزمة بصيانة النظام الدولي الذي تقوده، لكنها تواجه اليوم ضرورة إعادة تقييم استراتيجياتها في ضوء المنافسة مع الصين وتغير المشهد العالمي. لذلك قامت برفع موازنة التسلح لعام 2027 الى 1.5 ترليون دولار.
غرينلاند ليس مجرد جزيرة جليدية، بل تقع في قلب أخطر صراع جيوسياسي في العالم وهو القطب الشمالي، وتشكل مرصدا حيويا لرصد واعتراض الصواريخ العابرة للقارات الروسية حيث تتواجد فيها قاعدة بيتوفيك الفضائية (Pituffik) للإنذار المبكر، والتي تتبع وترصد الصواريخ الروسية، كما انها تشكل ركيزة اساسية في سباق السيطرة على الممرات البحرية
مع ذوبان الجليد.
تسيطر روسيا على Northern Sea Route
بينما كندا وأمريكا تراقبان Northwest Passage
غرينلاند هنا نقطة تحكم في طرق التجارة العالمية المستقبلية، مع ذوبان الجليد تنفتح الممرات البحرية وهذا يعني الوصول الى الثروات المعدنية الاستراتيجية التي تدخل في الصناعات العسكرية والتكنولوجية.
قادة الامن القومي الاميريكي يريدون تحويل غرينلاند الى حاملة طائرات ثابتة وصوامع صواريخ عابرة للقارات استراتيجية ومخفية تحت الارض التي يغطيها الجليد، وبذلك يكون مضيق غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة بمثابة “جدار دفاعي” ضد الغواصات الروسية والصينية.
هناك أربع مسارات محتملة لضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة:
1. غزو الجزيرة واحتلالها عسكريا.
2. شراء غرينلاند من الدنمارك مع تقديم وعود باستثمارات كبيرة في اقتصاد الجزيرة للسكان المحليين.
3. توقيع اتفاقية تعاون حر.
4. الإبقاء على وضع غرينلاند كإقليم تابع للدنمارك، مع زيادة الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة.
اختارت اوربا الخيار الرابع وصرح الأمين العام لحلف الناتو: “غرينلاند منفتحة على استضافة قوات أمريكية في الجزيرة”. لكن اوربا بما فيها ألمانيا لا تزال ضعيفة أمام الولايات المتحدة لأنها تعتمد على الحماية الأميركية في المجال الأمني، مما يجعلها غير مؤثرة على قرارات الرئيس ترامب.
في المقابل تعمل إدارة الرئيس ترامب على إعداد مسودة اتفاقية مع غرينلاند يمكن تقديمها مباشرة إلى سلطات الجزيرة، دون العودة للدنمارك (المسار رقم 3 في اعلاه). ويتضمن الاقتراح اتفاقية الارتباط الحر، وهو إطار عمل تقدم فيه الولايات المتحدة التمويل وتضمن تحسينات في مستويات المعيشة، بينما يسلم الشريك شؤون الدفاع إلى واشنطن، مع الاحتفاظ بالحكم الذاتي الداخلي.

– استراتيجية ترامب لها هدفان رئيسيان. الأول هو تعميق الانقسامات بين غرينلاند والدنمارك. والثاني هو فتح مفاوضات مباشرة مع الجزيرة، متجاوزاً كوبنهاغن.
يذكر أن الولايات المتحدة لديها بالفعل ترتيبات مماثلة مع ميكرونيزيا وجزر مارشال وبالاو.

نعود الى المسار رقم 2 اعلاه: هل يمكن قانونيًا بيع غرينلاند أصلًا؟

الجواب هو: قانونيًا لا يمكن بيع غرينلاند.

والسبب يعود إلى القانون الدولي، والدستور الدانماركي، وحقوق سكان الجزيرة أنفسهم.

اذ ان غرينلاند ليست “ملكًا” للدانمارك، غرينلاند إقليم يتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدانمارك. فمنذ عام 2009 تمتلك حكومة غرينلاند صلاحيات كبيرة، خاصة في الشؤون الداخلية والموارد الطبيعية. لذلك لا تملك الدانمارك الحق القانوني في “بيع” الإقليم كصفقة عقارية.

و وفقا لميثاق الأمم المتحدة:

الشعوب لها الحق في تقرير مصيرها، سكان غرينلاند (ومعظمهم من الإينويت) هم أصحاب القرار النهائي، لذا لا يمكن نقل السيادة دون موافقة شعب غرينلاند عبر استفتاء حر.

كما ان ذلك يتطلب اتباع الدستور الدانماركي:

أي تغيير في وضع غرينلاند السيادي، يتطلب ذلك موافقة البرلمان الدانماركي، وموافقة حكومة غرينلاند، و استفتاء شعبي. وهذا يجعل “البيع” شبه مستحيل قانونيًا وسياسيًا.

تجارب الماضي:

في الماضي نجحت الولايات المتحدة بشراء ألاسكا من روسيا (1867) فضلا عن شراء جزر الهند الغربية الدانماركية (1917) و تسمى جزر العذراء الأمريكية (U.S. Virgin Islands). لكن هذه الصفقات تمت قبل تطور القانون الدولي وحقوق الشعوب. بينما اليوم، مثل هذه الصفقات غير مقبولة قانونيًا ولا أخلاقيًا.

من الناحية القانونية يمكن ان تحقق الولايات المتحدة هدفها في غرينلاند عن طريق:

– اتفاقيات تعاون دفاعي

– استثمارات اقتصادية

– وجود عسكري باتفاق رسمي

– دعم سياسي مقابل شراكة استراتيجية (وهذا ما تفعله الولايات المتحدة فعليًا في غرينلاند).

*رئيس الهيئة الادارية لمنتدى بغداد الاقتصادي

Share