و.ض.أ / كتب : فارس آل سلمان 1 – 3
كان الاعتقاد السائد بين السياسيين أن كندا، كتلة قارية متجمدة في شمال أميركا، هي امتداد طبيعي للولايات المتحدة. فقد تميزت الدولتان باندماج عضوي استمر قرنا ونصف، حيث تجلى هذا الاندماج في أطول حدود في العالم غير المحمية عسكريًا، واقتصاد مترابط، وثقافة مشتركة. فبينما كانت الولايات المتحدة تشتري نحو 75% من المنتجات الكندية، كان الاقتصاد الكندي يُصمم لتلبية احتياجات جارتها الجنوبية.
لكن مع تسنم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة، حدث تحول جذري في السياسة التجارية، إذ فرض الرئيس الأمريكي رسوماً جمركية قاسية وسياسات حماية اقتصادية تحت شعار “أمريكا أولاً”. وقد أظهرت هذه السياسات، وخاصة في فترته الثانية، تهديدًا مباشرًا على القطاعات الكبرى في الاقتصاد الكندي مما دفع كندا إلى البحث عن حلول بديلة.
في ظل هذه السياسات الترامبية العنيفة، قررت كندا الاتجاه نحو الصين، بعيدًا عن الحلفاء التقليديين في الغرب، لتفتح بذلك مسارًا اقتصاديًا جديدًا رغم المخاوف السياسية التي قد ترافق هذه الخطوة. إذ أصبح من الضروري أن تنوع كندا شركاءها التجاريين وتفتح أسواقًا جديدة لتفادي تبعات السياسات الأمريكية الحمائية.
واعتبر هذا التحول خطوة جريئة، حيث اعتبر الجمهوريون في الولايات المتحدة أن هذه الخطوة بمثابة “طعنة من الخلف”، في حين وصفها الكنديون الليبراليون بمناورة بقاء اقتصادية. فعلى الرغم من تغيّر الحكومات الكندية بين المحافظين والليبراليين، ظلت السياسة تجاه الولايات المتحدة ثابتة لاكثر من قرن ونصف، إذ كان الاقتصاد الكندي مُصممًا لخدمة الآلة الصناعية الأمريكية. فدائماً ما كان النفط الكندي يتدفق إلى الولايات المتحدة، كما كانت الصادرات الكندية الأخرى من الألمنيوم والصلب تجد أسواقها في جارتها الجنوبية.
لكن مع تهديدات ترامب بفرض رسوماً جمركية على العديد من السلع، بدا أن الاقتصاد الكندي أصبح محاصرًا بين جار غاضب متقلب المزاج في الجنوب، ومنافس صاعد في غرب كندا هو الصين. وقد جعل هذا الوضع من الصين خيارًا محتمًا لتنفيس الضغوط الاقتصادية عن كندا، رغم المخاطر الاستراتيجية لهذا الخيار.
بموجب اتفاق جديد بين كندا والصين، تم تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية إلى 6.1% بعد أن كانت تصل إلى 100% كما سمحت كندا باستيراد 49 ألف سيارة سنويًا. وقد برر رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، هذه الخطوة بالحرص على محاربة التضخم وتعزيز التحول الأخضر في كندا، فضلًا عن تقديم السيارات الكهربائية الصينية كبديل أرخص من نظيرتها الأمريكية. ومع ذلك، فإن الهدف الكندي كان أبعد من ذلك؛ إذ أن الاتفاقية كانت تهدف أيضًا إلى فتح أسواق جديدة للمنتجات الزراعية الكندية مثل الكانولا والقمح واللحوم و البحريات، ما يُعدّ بمثابة دعم مباشر للمزارعين في غرب كندا. فالصادرات الكندية إلى الصين (2024):
الكانولا: 67% من صادرات بذور الكانولا الكندية تذهب إلى الصين، بمعدل 5.9 مليون طن بقيمة 4 مليار دولار.
المنتجات البحرية: بما في ذلك اللوبستر (569 مليون دولار) و السلطعون (300 مليون دولار) والروبيان (262 مليون دولار).
البازلاء: صادرات بقيمة 1.565 مليون طن في 2023.
ولكن هذه الخطوة لم تخلُ من التحديات. فقد اعتبرت الولايات المتحدة أن هذا الاتفاق يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. حيث تخشى من أن السيارات الكهربائية الصينية قد تتحول إلى منصات استخباراتية مزودة بكاميرات وأجهزة استشعار مرتبطة بأنظمة سحابية في الصين، مما يسمح للصين بالحصول على بيانات حساسة عن الحياة في شمال الولايات المتحدة.
في خضم هذه التحولات، أظهرت الولايات المتحدة موقفًا غير تقليدي من مسألة الانفصال المحتمل لمقاطعة ألبرتا الكندية. ففي تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، كشفت مصادر عن لقاءات سرية بين مسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبين جماعة انفصالية من مقاطعة ألبرتا. تُعرف هذه الجماعة باسم “مشروع ازدهار ألبرتا” وهي مجموعة تمثل أقصى اليمين تسعى إلى استقلال المقاطعة الغربية عن كندا.
انها حركة انفصالية صغيرة، لكن جذورها تمتد لعدة عقود، وقد أثار التقارب بين هذه الجماعة وإدارة ترامب قلقًا متزايدًا في أوتاوا، خصوصًا أن هذه اللقاءات تركزت على كيفية دعم الاستقلال المحتمل لألبرتا. فقد التقى قادة “مشروع ازدهار ألبرتا” مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية ثلاث مرات منذ نيسان/أبريل 2025، حيث ناقشوا خيارات تقديم تسهيلات ائتمانية ضخمة تصل إلى 500 مليار دولار لدعم الاستقلال في حال إجراء استفتاء إيجابي بشأن الانفصال.
في هذا السياق، أبدت إدارة ترامب اهتمامًا خاصًا بالفكرة، معتبرة أن ألبرتا، التي تُعدّ أكبر مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة، تشكل نقطة استراتيجية هامة بالنسبة لأمن الطاقة الأمريكي. وكما أوردت الصحيفة، قال جيف راث، المستشار القانوني للمجموعة الانفصالية، إن الولايات المتحدة أبدت حماسة كبيرة لفكرة استقلال ألبرتا، معتبرًا أن علاقته مع إدارة ترامب كانت أقوى من علاقته مع الحكومة الكندية برئاسة مارك كارني.
على الرغم من أن حركة الاستقلال في ألبرتا لا تحظى بشعبية واسعة في المقاطعة، وأن رئيسة وزراء ألبرتا، دانييل سميث، تعارض هذا التوجه، إلا أن هذه اللقاءات تثير تساؤلات حول مدى التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية الكندية.
* رئيس الهيئة الادارية لمنتدى بغداد الاقتصادي
Share
وكالة الاضواء الاخبارية