الرئيسية » محلية » مدرس الرياضة الناجح : هو الذي يتابع الرياضيين ويحثّ طلابه على الدراسة

مدرس الرياضة الناجح : هو الذي يتابع الرياضيين ويحثّ طلابه على الدراسة

و.ض.أ / د. فاروق عبدالزهره الظالمي

غالبًا ما ينشغل الطلبة الرياضيون بممارسة الرياضة على حساب دراستهم، ظنًّا منهم أن التفوق الرياضي يغني عن التفوق العلمي. غير أن التجارب التربوية الناجحة أثبتت أن التوازن بين الرياضة والعلم هو الأساس في بناء شخصية الطالب المتكاملة.

ومن النماذج المشرّفة في هذا المجال المرحوم جاسم عبد جاسم، مدرب كرة اليد في تربية البصرة، الذي لم يكن مدربًا رياضيًا فحسب، بل كان مربّيًا حقيقيًا. فقد كان يحثّنا دائمًا على الاهتمام بالدراسة، ويخصص لنا جزءًا من وقته للجانب العلمي كما يخصصه للتدريب الرياضي. وعندما سافر إلى الفلبين، استمر في تدريبنا، ليس في كرة اليد فقط، بل في كرة السلة أيضًا، لما كان يمتلكه من مهارات متعددة وخبرة واسعة.

وعند اقتراب الامتحانات، كان يخصص لنا محاضرات في المواد العلمية كـالفيزياء والرياضيات وغيرها، ويحدد ساعات خاصة للطلبة الرياضيين، حرصًا منه على ألا يبتعد الطالب عن الرياضة أو يهمل دراسته. وكان ذلك ممكنًا في ذلك الوقت، لأن راتب المعلم أو المدرس كان كافيًا لتأمين متطلبات المعيشة، فضلًا عن تمتعه بثقافة عالية وقدرته على التحدث باللغة الإنجليزية بطلاقة.

أما اليوم، فإن مدرس الرياضة يعاني من ظروف صعبة؛ فهو في كثير من المدارس لا يستطيع ممارسة درس الرياضة كما ينبغي بسبب قلة الساحات أو انعدامها، إضافة إلى ضعف الراتب الذي يتقاضاه من وزارة التربية، ما يضطره إلى البحث عن عملٍ ثانٍ لسد متطلبات عائلته وأطفاله في ظل الغلاء المعيشي. فيعمل ليلًا ونهارًا، ويأتي ذلك على حساب عطائه التربوي والرياضي.

وفي المقابل، نلاحظ أن أعلى الرواتب في الدول المتقدمة حضاريًا وثقافيًا وعلميًا تُمنح للمعلم والمدرس، لأنهم يدركون أن المعلم هو صانع العقول، ومن بين يديه يخرج الطبيب والمهندس والقاضي وسائر بناة المجتمع.

فلماذا لا نقتدي بالدول المتقدمة لنصنع جيلًا قادرًا على تحمل المسؤولية؟
اليوم نشهد ابتعاد الأجيال عن الاقتداء بالمعلم والمدرس، بسبب ما يشاهدونه من تهميش واضطهاد وقلة دعم حكومي، فلا يرغب الشاب بأن يمرّ بتجربة التعليم في ظل هذه الظروف. وهذه خطوة خطيرة تهدد مستقبل أجيالنا، وقد تقود إلى جيل يفتقر إلى العلم والثقافة والمعرفة.

فكيف سيكون حال الجيل القادم بعد سنوات طويلة، إن استمر هذا الواقع دون إصلاح حقيقي وجادإن إصلاح واقع التربية والتعليم لا يبدأ من المناهج وحدها، بل من إعادة الاعتبار للمعلم والمدرس ماديًا ومعنويًا، وتمكينه من أداء رسالته السامية دون أن يُثقل كاهله همّ المعيشة. فالمعلم المطمئن هو القادر على الإبداع، وهو الأساس في بناء جيل واعٍ يجمع بين التفوق العلمي والرياضي والأخلاقي.

كما أن درس الرياضة ليس ترفًا، بل هو جزء أصيل من العملية التربوية، يساهم في بناء شخصية الطالب المتوازنة، ويغرس فيه قيم الانضباط، والعمل الجماعي، والالتزام، واحترام الوقت. وعندما يُهمَل هذا الدرس أو يُفرّغ من محتواه، فإننا نخسر فرصة ثمينة في توجيه طاقات الشباب نحو ما ينفعهم وينفع وطنهم.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق صُنّاع القرار، بضرورة توفير بيئة مدرسية مناسبة، وساحات رياضية لائقة، ورواتب عادلة، كي يعود المعلم قدوةً في نظر طلابه، ويستعيد الطالب ثقته بالمؤسسة التربوية. فالأمم لا تُقاس بثرواتها فقط، بل بمدى احترامها لمعلميها واستثمارها في عقول أبنائها.

وختامًا، إذا أردنا مستقبلًا مشرقًا، فعلينا أن نبدأ من المدرسة، وأن نمنح المعلم المكانة التي يستحقها، لأن بناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، والمعلم هو حجر الأساس في هذا البناء

Share